واجه الموقف المصري من الصراع الإقليمي الراهن من قبل شخصيات في دوائر صنع القرار، أو مسؤولون سابقين أو شخصيات عامة مؤثرة في الخليج، اعتبرت أن الموقف من "الاعتداءات الإيرانية" على دول الخليج لم يُترجم إلى خطوات عملية أو خطاب إعلامي واضح بالقدر الكافي.
وقال موقع "بي بي سي عربي" إنه مع ارتفاع وتيرة التطورات الميدانية في دول الخليج، وسقوط قتلى ومصابين جراء الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، بدأت تتزايد حدة التصريحات من عدة شخصيات سياسية خليجية بارزة تحمل هجومًا لمواقف "الأشقاء" وهي ما فُسرت على أنها تقصد الموقف المصري.
وأشار إلى أن أبرز من خرج بتصريحات كان المستشار الدبلوماسي الإماراتي أنور قرقاش الذي قال إن المرحلة تتطلب "وضوحًا في المواقف العربية"، بينما كتب نائب رئيس شرطة دبي السابق ضاحي خلفان أن "بعض المواقف العربية لا ترقى إلى مستوى التحديات".
ميل لإيران
كان الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله أحد من انتقد المواقف العربية بشدة، إذ غرد على إكس قائلا: "أثبتت الإمارات ودول الخليج العربي أنها قادرة على الدفاع عن نفسها بقدراتها الدفاعية الذاتية ولا تحتاج لمساعدة دول عربية هشة وتعيش أزمات داخلية خانقة ولا تستطيع حتى الدفاع عن نفسها".
وأرجع عبد الله هجومه إلى غياب موقف إعلامي مصري واضح منذ بداية الأزمة، وقال لـ "بي بي سي"، إن بعض الأصوات المصرية "تبنت روايات تبرر الحرب أو تقلل من خطورتها على دول الخليج".
ولاحظ عبد الله، أن أصواتًا لها ثقلها في مصر كانت متعاطفة مع إيران، وكان لابد أن يشهد الإعلام المصري "حشدًا وتوجيهًا أكبر" مع دول الخليج منذ اليوم الأول.
متفقًا معه في الرأي، قال عبدالله غانم القحطاني اللواء السابق في الجيش السعودي لـ "بي بي سي": "كان موقف الأشقاء في مصر غريبًا وغير متوقع، وبعض الخطوات كانت ملفتة مثل خطبة عيد الفطر التي أراها كانت غير موفقة لا توقيتًا ولا مضمونًا".
وأثارت خطبة عيد الفطر التي ألقاها حسين عبد الباري رئيس قطاع الشؤون الدينية بوزارة الأوقاف المصرية في حضور (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي جدلاً واسعًا، بعدما دعا "بحق فاطمة وأبيها بألا يجعل الله لمصر حاجة عند لئيم".
وفي المقابل، وصف طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة بعض التصريحات الخليجية بأنها كانت "غير منضبطة" ومتحاملة على مصر.
بينما يرى الكاتب الصحفي إسلام عفيفي رئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم المصرية أن "قدر مصر كدولة كبيرة أن ينتظر منها الأشقاء دائما دعم ومساندة وتضامن وهذا موجود بالفعل".
وأضاف أن "هذه الحرب لم يعلنها الخليج، وهي مؤامرة ضد المنطقة كلها، لكن هذا لا يبرر أي اعتداء إيراني على دول الخليج".
وتؤكد القاهرة أن موقفها لم يتغير منذ بداية الحرب، فقد شددت وزارة الخارجية المصرية في أكثر من بيان على أن "أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري"، داعية إلى "وقف التصعيد واللجوء إلى الحلول السياسية".
ما الدور المطلوب من مصر؟
يبقى الخلاف الأساسي حول طبيعة الدور الذي تنتظره دول الخليج من مصر.
يقول أحمد أبو دوح الباحث في المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) إن هناك حيرة خليجية بشأن طبيعة الدور المصري الذي يريدونه خاصة أن دول الخليج لم تحارب حتى الآن.
لكن لدى الدكتور عبد الخالق عبد الله أستاذ العلوم السياسية من الإمارات رؤية حول الدور المطلوب من مصر، وهو دور عسكري فكان من الممكن "أن يصاحب البيان المصري الأول في بداية الحرب تحركات فعالة، مثل التضامن العسكري ولو بشكل رمزي مثل إرسال قطعة حربية في الأيام الأولى للحرب"، حسب قوله.
فالموقف المصري حتى "لم يرقَ إلى التضامن الفرنسي والإثيوبي، وحديثي هذا من كثرة تقديري لمصر وليس هجومًا عليها،" بحسب قوله.
لكن في المقابل، يرى فهمي أن "الحديث عن دور عسكري مصري غير واقعي في ظل عدم انخراط دول الخليج نفسها عسكريًا".
ويتفق معه القحطاني في أنه لا جدوى لتقديم مصر دعم عسكري لدول الخليج، ويضيف: "الخليج لا يحتاج سلاحًا أو جنودًا فلديه ما يكفي ولديه شراكات استراتيجية مع دول كبرى".
بينما يرى عفيفي أنه "لا يسيء ما حدث على السوشال ميديا من منشورات من أشخاص محسوبين بشكل أو بآخر على أي دولة خليجية لدور مصر، ولن تؤثر سلبا على علاقات مصر بدول الخليج، ولا يضع مصر في موقف الدفاع عن نفسها إذ أنها تقوم بواجبها لحماية الأمن القومي العربي".
وقال عفيفي: "لمن يريد لمصر أن تتدخل عسكريًا أنه ليس مطلوبًا أن تنخرط مصر ودول الخليج في حرب مفتوحة دون سقف ودون أهداف حقيقية … تستنزف قدرات المنطقة كلها وتجرها لمواجهات عسكرية طويلة المدى".
وشاركت مصر في التحالف الدولي لتحرير الكويت عام 1990 بعد غزوها من العراق، عبر إرسال قوات عسكرية مصرية ضمن عملية "عاصفة الصحراء".
ووفقاً للدستور المصري، لا يجوز للرئيس إرسال قوات مسلحة خارج حدود الدولة إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بالأغلبية، على أن يكون ذلك في مهام قتالية للدفاع عن الأمن القومي.
استشارات استخباراتية ووساطة
أكد (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي أثناء جولته الخليجية قبل عدة أيام على تقديم "الدعم المادي" لدول الخليج، وهو المصطلح ذاته الذي استخدمه وزير الخارجية المصري أثناء لقاء بالصحفيين الأجانب في القاهرة يوم الثلاثاء الماضي.
"ربما يعني الدعم العسكري والاستخباراتي" هكذا فسر أبو دوح "الدعم المادي" الذي يمكن أن تقدمه مصر، "ربما تستطيع القاهرة تقديم دعم تقني يتعلق بالطيران وطرق التجارة ونقل النفط، لكن دورها الأبرز سيكون في خفض التصعيد من خلال وساطتها مع تركيا وباكستان".
ويؤكد فهمي أنه كان يجب أن تقدم مصر المشورة العسكرية واللوجستية مع بداية الحرب، من خلال جولة خليجية يعقدها رئيس الأركان المصري مع بداية الحرب كما قام بذلك رئيس الأركان الباكستاني، معتقدا أنها ستفعل ذلك إذا طلبت دول الخليج منها أمورا محددة منها في هذا الصدد.
وتعليقًا على الوساطة المصرية لإنهاء الحرب يقول فهمي: "باكستان هي الأبرز خلال الوساطة حاليا، ومن مصلحة الخليج أن يكون هناك تكتل عربي يشمل مصر وقطر وسلطنة عمان لإنجاح هذه الوساطة.
وكان وزير الخارجية قد عبر عن استعداد مصر استضافة محادثات بين الجانبين لوقف إطلاق النار.

